عبد القاهر الجرجاني
217
دلائل الإعجاز في علم المعاني
11 ] ، وقوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] ، كلّ ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم . وذلك أنّ كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممّن يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه ، وأنّ من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذار ويكون له تأثير ، إذا كان مع من يؤمن باللّه ويخشاه ويصدّق بالبعث والساعة ، فأمّا الكافر الجاهل ، فالإنذار وترك الإنذار معه واحد . فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال . وأمّا مثال ما ينزّل هذه المنزلة ، فكقوله : [ من الخفيف ] إنّما مصعب شهاب من اللّ * ه تجلّت عن وجهه الظّلماء " 1 " ادّعى في كون الممدوح بهذه الصفة ، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع ، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدّعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنّها ثابتة لهم ، وأنهم قد شهروا بها ، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد ، كما قال : [ من الطويل ] وتعذلني أفناء سعد عليهم * وما قلت إلّا بالّذي علمت سعد " 2 " وكما قال البحتريّ : لا أدّعي لأبي العلاء فضيلة * حتّى يسلّمها إليه عداه " 3 " ومثله قولهم : " إنما هو أسد " ، و " إنّما هو نار " ، و " إنما هو سيف صارم " ، وإذا أدخلوا " إنما " جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى .
--> ( 1 ) البيت لعبيد اللّه به قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير بن العوام وبعده : ملكه ملك رأفة ليس فيه * جبروت منه ولا كبرياء يتقي اللّه في الأمور وقد * أفلح من كان همه الاتقاء والبيت أورده القزويني في الإيضاح ( 129 ) ، والسكاكي في المفتاح ( 407 ) ، وأورده بدر الدين ابن مالك في المصباح ( 98 ) ، وفخر الدين الرازي في نهاية الإيجاز ( 361 ) ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 95 ) ، وشرح المرشدي على عقود الجمان ( 1 / 144 ) . ( 2 ) البيت للحطيئة في ديوانه ، وأورده القزويني في الإيضاح ( 129 ) ، والسكاكي في المفتاح ( 408 ) ، وشرح المرشدي على عقود الجمان ( 1 / 144 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه من قصيدة يمدح فيها صاعد بن مخلد وابنه أبا عيسى العلاء . وأورده القزويني في الإيضاح ( 129 ) ، والسكاكي في المفتاح ( 408 ) ، وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح ( 99 ) بلا عزو ، وشرح المرشدي على عقود الجمان ( 1 / 144 ) .